ابن إياس

10

نزهة الامم في العجائب والحكم

والمستحق لاسم الكمال على الإطلاق من البشر ، الذي كان نبيا وآدم بين الماء والطين ، ورقم اسمه من الأزل في عليين ، ثم نقل من الأصلاب الفاضلة الزكية إلي الأرحام الطاهرة المرضية ، حتى بعثه الله عز وجل إلي الخلائق أجمعين ، وختم به الأنبياء والمرسلين أعطاه ما لم يعط من الفضل أحدا من العالمين ، وعلى آله وصحابته والتابعين ، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين . وبعد . . فأني لما طالعت كتب تواريخ الأمم الخالية ورأيت ما فيها من العجائب المتوالية ، استخرت الله « 1 » أن أجمع كتابا لطيفا أذكر فيه من أغرب ما سمعته ، وأعجب ما رأيته قاصدا فيه الاختصار لكي لا يطول في التأليف مجموعة ، وفي المثل الساير أقصر الكلام منفوعه ، وقد ذكرت فيه من عجائب مصر وأعمالها ، وما صنعت الحكماء فيها من الطلسمات [ ق 3 أ ] المحكمة والبرابى والأهرام وغير ذلك ، وذكرت طرف يسيرة من سير ملوكها ، وذكر شئ من عجائب نيلها ، وذكر شيء من خططها وآثارها ، وذكر سعت أقليمها وأقطارها ، وقد ذكرت في كتابي من أجل ما سطره ، وأفخر ما ذكره قاصدا فيه الاختصار كما تقدم ، وسميته « نزهة الأمم في العجائب والحكم » والمستعان بالله في المبدأ والختام . . ومن هنا نشرع في الكلام على مبتدأ خلقة الأرض في الأزل ، وما فيها من عجائب صنع الله عز وجل . أقول الجهات من الأرض ستة ، وهي الشرق حيث تطلع الشمس والقمر وسائر الكواكب في كل قطر من الأفق ، والغرب وهو حيث تغرب فيه ، والشمال وهو حيث مدار الجدى والغرقدين ، والجنوب وهو حيث مدار سهل وهو ما يلي السماء والتخت وهو ما يلي كرة الأرض . والأرض جسم مستدير كالكرة وقيل ليست بكرية الشكل ، وهي واقعة في الهواء بجميع جبالها وبحارها وعامرها وغامرها . والهواء محيط بها من جميع جهاتها كالمح في البيضة . وذهب الجمهور إلي أن الأرض كالكرة موضوعة في جوف الفلك كالمح في البيضة وأنها في

--> ( 1 ) وردت هذه الكلمة على هامش المخطوطة .